العيني
34
عمدة القاري
والغالب عليها أن تكون للغاية حتى ادعى قوم أن سائر معانيها راجعة إليها ، ولم أجد في هذه المعاني الخمسة عشرة مجيء : من ، بمعنى : إلى . وادعى الكرماني أنها لغة قوم ولم يبين ذلك ، ثم أدعى أنه شاذ . قلت : إن استعمل بمعنى : إلى ، في كون كل منهما للغاية لأن : من ، لابتداء الغاية ، و : إلى ، لانتهاء الغاية ، يجوز ذلك لأن الحروف ينوب بعضها عن بعض ، والمراد ، بالغاية في قولهم ابتداء الغاية وانتهاء الغاية ، جميع المسافة ، إذ لا معنى لابتداء الغاية وانتهاء الغاية ، فيكون معنى الحديث : حتى توضؤوا وانتهوا إلى آخرهم ولم يبق منهم أحد ، والشخص هو آخرهم داخل في هذا الحكم لأن السياق يقتضى العموم والمبالغة ، فإن قلت : عند ، ظرف خاص واسم للحضور الحسي ، فالعموم من أين يأتي ؟ قلت : عند هنا تجعل لمطلق الظرفية حتى تكون بمعنى : في ، كأنه . قال : حتى توضأ الذين هم في آخرهم ، وأنس ، رضي الله تعالى عنه ، داخل في عموم لفظ الناس ، ولكن الأصوليين اختلفوا في أن المخاطب بكسر الطاء داخل في عموم متعلق خطابه أمراً أو نهياً أو خبراً أم غير داخل ؟ والجمهور على أنه داخل . بيان المعاني : قوله : ( فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء ) وفي بعض الروايات : ( فأتي بقدح رحراح ) وفي بعضها : ( زجاج ) ، وفي بعضها : ( جفنة ) ، وفي بعضها : ( ميضأة ) ، وفي بعضها : ( مزادة ) . وفي رواية ابن المبارك : ( فانطلق رجل من القوم فجاء بقدح من ماء يسير ) . وروى المهلب أنه كان مقدار وضوء رجل واحد . قوله : ( وامر الناس ) ، وكانوا خمس عشرة ومائة ، وفي بعض الروايات ثمانمائة ، وفي بعضها زهاء ثلاثمائة ، وفي بعضها ، ثمانين ، وفي بعضها سبعين . قوله : ( ينبع من تحت أصابعه ) وفي بعض الروايات : ( يفور من بين أصابعه ) ، وفي بعضها : ( يتفجر من أصابعه كأمثال العيون ) ، وفي بعضها : ( سكب ماء في ركوة ووضع إصبعه وبسطها وغسلها في الماء ) ، وهذه المعجزة أعظم من تفجر الحجر بالماء . وقال المزني ، نبع الماء بين أصابعه أعظم مما أوتيه موسى ، عليه الصلاة والسلام ، حين ضرب بعصاه الحجر في الأرض ، لأن الماء معهود أن يتفجر من الحجارة ، وليس بمعهود أن يتفجر من بين الأصابع ، وقال غيره : وأما من لحم ودم فلم يعهد من غيره صلى الله عليه وسلم . وقال القاضي عياض : وهذه القضية رواها الثقات من العدد الكثير عن الجم الغفير عن الكافة متصلاً عمن حدث بها من جملة الصحابة ، وأخبارهم أن ذلك كان في مواطن اجتماع الكثير منهم من محافل المسلمين ومجمع العساكر ، ولم يرو واحد من الصحابة مخالفة للراوي فيما رواه ، ولا إنكار عما ذكر عنهم أنهم رأوه كما رآه ، فسكوت الساكت منهم كنطق الناطق منهم ، إذ هم المنزهون عن السكوت على الباطل ، والمداهنة في كذب وليس هناك رغبة ولا رهبة تمنعهم ، فهذا النوع كله ملحق بالقطعي من معجزاته ، عليه الصلاة والسلام ، وفيه رد على ابن بطال حيث قال في شرحه : هذا الحديث شهده جماعة كثيرة من الصحابة ، إلاَّ أنه لم يروَ إلاَّ من طريق أنس ، رضي الله تعالى عنه ، وذلك ، والله تعالى أعلم لطول عمره ، ويطلب الناس العلو في السند . بيان استنباط الأحكام الأول : فيه عدم وجوب طلب الماء للتطهر قبل دخول الوقت ، لأن النبي ، عليه الصلاة والسلام ، لم ينكر عليهم التأخير ، فدل على الجواز . وذكر ابن بطال : أن إجماع الأمة على أنه إن توضأ قبل الوقت فحسن ، ولا يجوز التيمم عند أهل الحجاز قبل دخول الوقت ، وأجازه العراقيون : الثاني : أن فيه دليلاً على وجوب المواساة عند الضرورة لمن كان في مائه فضل عن وضوئه . الثالث : فيه دليل على أن الصلاة لا تجب إلاَّ بدخول الوقت . الرابع : يستحب التماس الماى لمن كان على غير طهارة ، وعند دخول الوقت يجب . الخامس : فيه رد على من ينكر المعجزة من الملاحدة . السادس : استنبط المهلب منه أن الأملاك ترتفع عند الضرورة ، لأنه لما أتي رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، بالماء لم يكن أحد أحق به من غيره ، بل كانوا فيه سواء ، ونوقش فيه ، وإنما تجب المواساة عند الضرورة لمن كان في مائه فضل عن وضوئه . 33 ( ( بابُ المَاءِ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ شَعْرُ الاِنْسانِ ) ) أي : هذا باب في بيان الماء الذي يغسل به شعر بني آدم . والمناسبة بين البابين من حيث إن في الباب الأول التماس الناس الوضوء ، ولا يلتمس للوضوء إلا الماء الطاهر ، وفي هذا الباب غسل شعر الإنسان ، وشعر الانسان طاهر ، فالماء الذي يغسل به طاهر ، فعلم أن في كل من البابين اشتمال على حكم الماء الطاهر . وكانَ عَطاءٌ لاَ يَرَى بِهِ بَأْساً أنْ يُتَّخَذَ مِنْهَا الخُيُوطُ والحِبَالُ